الخطيب الشربيني
259
مغني المحتاج
بينهن فيه جزما ، فتجعل الواهبة أو المسقطة كالمعدومة ويقسم للباقيات . ( أو ) وهبت ( له ) فقط ( فله التخصيص ) لواحدة فأكثر بنوبة الواهبة ، لأنها جعلت الحق له فيضعه حيث شاء . ويأتي في الاتصال والانفصال ما سبق . ( وقيل : يسوي ) بينهن ولا يخصص لأن التخصيص يورث الوحشة والحقد فتجعل الواهبة كالمعدومة . ولو وهبت له ولبعض الزوجات أو له وللجميع ، لم أر من تعرض لهذه المسألة ، وقد سألت شيخي عنها فأجاب بأن حقها يقسم على الرؤوس كما لو وهب شخص عينا لجماعة والتقدم بالقرعة . تنبيه : لا يجوز للواهبة أن تأخذ على المسامحة بحقها عوضا لا من الزوج ولا من الضرائر ، فإن أخذت لزمها رده واستحقت القضاء لأن العوض لم يسلم لها . وإنما لم يجز أخذ العوض عن هذا الحق لأنه ليس بعين ولا منفعة لأن مقامه عندها ليس بمنفعة ملكتها عليه . وقد استنبط السبكي من هذه المسألة ومن خلع الأجنبي جواز النزول عن الوظائف ، والذي استقر عليه رأيه أن أخذ العوض فيه جائز وأخذه حلال لاسقاط الحق لا لتعلق حق المنزول له ، بل يبقى الامر في ذلك إلى ناظر الوظيفة يفعل ما تقتضيه المصلحة شرعا ، وبسط ذلك . وللواهبة الرجوع متى شاءت ، فإذا رجعت خرج فورا ، ولا يرجع في الماضي قبل العلم بالرجوع ، فإن بات الزوج في نوبة واحدة عند غيرها ثم ادعى أنها وهبت حقها وأنكرت لم يقبل قوله إلا بشهادة رجلين . فصل : في حكم الشقاق بالتعدي بين الزوجين ، وهو إما أن يكون منها أو منه أو منهما . وقد بدأ بما إذا كان التعدي منها بقوله : فلو ( ظهرت أمارات نشوزها ) فعلا كأن يجد منها إعراضا وعبوسا بعد لطف وطلاقة وجه ، أو قولا كأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين ، ( وعظها ) ندبا ، لقوله تعالى : * ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ) * كأن يقول لها : اتق الله في الحق الواجب لي عليك واحذري العقوبة . ( بلا هجر ) ولا ضرب ، ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة والقسم ، فلعلها تبدي عذرا أو تتوب عما وقع منها بغير عذر ، وحسن أن يذكر لها ما في الصحيحين من قوله ( ص ) : إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح . وفي الترمذي عن أم سلمة : قال رسول الله ( ص ) : أيما امرأة باتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة ويستحب أن يبرها ويستميل قلبها بشئ ، وفي الصحيحين : المرأة ضلع أعوج ، إن أقمتها كسرتها ، وإن تركتها استمتعت بها على عوج فيها . تنبيه : ظاهر كلامه كغيره تحريم الهجر في المضجع في هذه الحالة ، قال ابن النقيب تبعا للسبكي : وهو ظاهر إذا فوت حقا لها من قسم أو غيره وإلا فيظهر عدم التحريم لأن الاضطجاع معها حقه فله تركه . ( فإن تحقق نشوز ) منها ( ولم يتكرر ) ذلك منها ( وعظ ) - ها ( وهجر ) ها ( في المضجع ) بكسر الجيم : أي يجوز له ذلك لظاهر الآية ، ولان في الهجر أثرا ظاهرا في تأديب النساء . والمراد أن يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه ، وقيل : هو ترك الوطئ ، وقيل : هو أن يقول لها هجرا ، أي إغلاظا في القول . وقيل : هو أن يربطها بالهجار ، وهو حبل يربط فيه البعير الشارد . واحترز المصنف بالهجر في المضجع عن الهجران في الكلام فلا يجوز الهجر به لا للزوجة ولا لغيرها فوق ثلاثة أيام ، ويجوز فيها للحديث الصحيح : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام . وفي سنن أبي داود : فمن هجره فوق ثلاثة فمات دخل النار وحمل الأذرعي تبعا لغيره التحريم على ما إذا قصد بهجرها ردها لحظ نفسه ، فإن قصد به ردها عن المعصية وإصلاح دينها فلا تحريم ، قال : ولعل هذا مرادهم ، إذ النشوز حينئذ عذر شرعي اه . وهذا مأخوذ من قولهم : يجوز هجر المبتدع والفاسق ونحوهما ، ومن رجا بهجره صلاح دين الهاجر أو المهجور ، وعليه يحمل هجره ( ص ) كعب بن مالك وصاحبيه ، وأول أسمائهم هم حروف مكة ، ونهيه ( ص ) الصحابة عن كلامهم ،